In order to bring you the best possible user experience, this site uses Javascript. If you are seeing this message, it is likely that the Javascript option in your browser is disabled. For optimal viewing of this site, please ensure that Javascript is enabled for your browser.
Newsroom_detail  

SEARCH BY KEYWORD

FILTER

تأثير وباء فيروس كورونا المستجدّ (كوفيد- 19) على الصحّة النّفسيّة والجسديّة للطواقم الطبيّة، والمسؤولية الاجتماعية تجاهها | Qatar University

تأثير وباء فيروس كورونا المستجدّ (كوفيد- 19) على الصحّة النّفسيّة والجسديّة للطواقم الطبيّة، والمسؤولية الاجتماعية تجاهها

2020-04-12
الدكتورة سهاد ظاهر.jpg

"أشعر بأن الكلمات لا تستطيع التعبير عما يجول في خاطري هذه الأيام، تتملكني مشاعر مختلطة من الخوف من العدوى والشعور العارم في العطاء. الخوف من أن أجلب العدوى لبيتي وزوجي وأطفالي، وشعور المسؤولية المهنية والاجتماعية. في كل يوم أعود فيه إلى المنزل أشكر الله أني رأيت أولادي بصحة، وأنه لم تظهر عليهم علامات المرض. أسأل المولى عز وجل أن تزول هذه الغمة والمصيبة والضغط النفسي قريبا" م. ن

"الذهاب يوميًا إلى المستشفى في هذه الأوقات يقلقني، ولكنه واجبي المجتمعي والمهني في الوقت الراهن، أعداد المرضى تزداد، وأتمنى أن تستمر إمكانياتنا وقدرتنا للعناية بهم. بالطبع أخشى على عائلتي عند رجوعي للبيت، فأعقم نفسي وأغراضي، ولكنني لا أدري إن كان هذا كافيا. نحن نذهب للعمل يوميًا بهدف تقديم أفضل رعاية طبية للمرضى في أكثر الأوقات حرجًا والحفاظ على حياتهم، ولهذا، أتمنى من الجميع تقديم دورهم في حماية المجتمع عن طريق الالتزام بالنصائح الطبية والبقاء في منازلهم؛ للحد من انتشار الفيروس وحماية كافة أفراد المجتمع، فحياة كل إنسان غالية، وهدفنا كلنا واحد في هذه الأزمة وبإذن الله سنتجاوزها" ف. م

قالت الدكتورة سهاد ظاهر ناشف، أستاذ مساعد للعلوم السلوكية والاجتماعية في كلية العلوم الصحية بجامعة قطر: "هذه المقولات التي تقدَّمت هي أصواتٌ من بين العديد الأصوات لمن يعملون في الصفوف الأمامية في مكافحة فيروس كورونا المستجدّ (كوفيد- 19) في الأطر الصحيّة المختلفة في قطر. الخوف من الإصابة والعدوى، والخوف من مصير مجهول لا يخلو من احتمال الموت، والقلق من التسبب بمرض أحد أفراد العائلة، والتعب الجسدي الناتج عن عدد ساعات عمل كثيرة ومكثّفة، وألم الابتعاد عن أطفالهم بسبب العزل الذاتي لحماية العائلة، والشّعور بالوحدة، ما هي إلا بعض من المشاعر التي يمر بها أي طبيب/ة أو ممرض/ة أو أي مهني آخر يعمل في خطوط القطاع الصحي الأمامية (أي أقسام الطوارئ وأقسام علاج المصابين) خلال جائحة فيروس كورونا المستجدّ (كوفيد- 19) الحاليّة. تلك المشاعر غير مرئية لأفراد المجتمع القابعين في بيوتهم بين عوائلهم في مناطق أمانهم الخاصّة. والمؤسف أنه كثيرًا ما يتجاهل المجتمع، بقصد أو دون قصد، ما يمر به هؤلاء الأبطال في حربهم لمكافحة فيروس لا تراه العين المجرّدة، ونجح بأن يشلّ العالم بأكمله. ومن الملفت أيضًا أن المهنيين أنفسهم يميلون إلى إخفاء تلك المشاعر والتجارب لأنهم، أولا لا يجدون الوقت للخوض فيها أثناء عملهم المُكثّف، وثانيا يشعرون بالذّنب أصلا إذا طرحوها، كونهم يرون بعملهم واجبا ملزما لا وقت فيه للتذمّر والشكوى. ويأتي السؤال، ما هي مسؤوليتنا الاجتماعيّة تجاههم سواء في الأوقات العصيبة الحاليّة، و/أو في الفترة التي ستلي التغلّب على هذا الوباء؟ أي فترة الشّفاء منه.

لقد بيّنت الدراسات التي خاضت بتأثير الأوبئة تاريخيا، مثل: الإيبولا والسارز وغيرها على الصحة النّفسية والجسديّة والاجتماعيّة للعاملين في الخطوط الأماميّة للقطاع الصحي، بأنّهم غالبا ما يشعرون بالخوف والقلق والاضطراب العاطفي. ومن بين الصعوبات التي يواجهونها في بداية انتشار الوباء هي الوصمة الاجتماعية والابتعاد الاجتماعي عنهم بسبب الخوف من أن يكونوا حاملين للفايروس، مما يؤثّر سلبا أيضا على عوائلهم وبالتّالي يؤدّي إلى التوتّر داخل العائلة نفسها.

وتشير شهادات الممرّضين والممرضات، والطبيبات والأطباء ممّن عملوا ولا زالوا يعملون في المستشفيات في الصين وإيطاليا وغيرها، إلى أن التأثيرات النّفسيّة للعمل تنضاف إلى الآلام الجسدية اليوميّة والتي هي بنفسها تزيد من حدّة الضغط والألم النّفسي. ومن بين تلك التأثيرات الجسدية هي آلام حادة في أعلى وأسفل الظهر، والرقبة والأكتاف والأرجل أيضا. ويضاف إلى ذلك أحيانا تقرّحات جلدية بسبب فصل الجلد عن الهواء لساعات متواصلة.

ولا بد لنا أن نتذكّر طبقات الحماية التي يرتديها هؤلاء الأشخاص لحماية أنفسهم والآخرين من حولهم، والتي بطبيعتها تمنعهم من الأكل والشرب واستخدام المرحاض لساعات طويلة. ففي الصين مثلا، وصل الحال بالطواقم الطبية في ووهان للعمل خمس إلى ست مناوبات متتالية، دون أكل او شرب أو استخدام للحمّام؛ بسبب تلك الطبقات، مما اضطرهم لاستخدام حفّاظات للكبار كحل أمثل يمكّنهم من الاستمرار والتّركيز في عملهم/ن. 

وتتطرّق جميع الدراسات إلى التأثير بعيد الأمد عليهم بحيث يعاني الكثيرون منهم من الاكتئاب الحاد ومتلازمة اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) وتأثيرات أخرى على صحّتهم النفسية والجسديّة. وما يميّز هذا النّوع من الاضطراب أنه يظهر خلال شهر أو عدّة سنوات من بعد الصّدمة، بحيث يؤثّر سلبا على جميع مناحي الحياة سواءً الاجتماعية و/أو المهنيّة. ويمكن أن يصل هذا التأثير إلى عدم قدرة الشخص على إدارة حياة عادية كما عهد في السّابق. وهنالك أربع علامات أساسيّة لهذا النوع من الاضطراب، وهي: أولا- ظهور ذكريات صعبة فجائية من الحدث، تظهر أحيانا على شاكلة كوابيس ليليّة يكون رد الفعل لها صعبا على المستوى العاطفي والجسدي أيضا. ثانيا- الامتناع عن الحديث عما حصل وتجنّب أماكن وأناس يذكّرون به. ثالثا- أفكار سلبية عن الذات وعن العالم، اليأس، الصعوبة في الحفاظ على علاقات مع أفراد العائلة والأصدقاء؛ عدم الاهتمام بفعاليات لطالما كانت ممتعة قبل الحدث وصعوبة بالتعبير عن مشاعر إيجابيّة. رابعا- تغييرات حادة في ممارسات يوميّة مثل صعوبة في النوم، التركيز، الغضب والسلوك العصبي وغيرها.

تأتي هنا قضّية مهمّة جدا، وهي مسؤوليّتنا الاجتماعيّة تجاه من ينقذون مئات الحيوات كل يوم.    

أثبتت جميع الدراسات عن جائحات سابقة بأن أول حل هو الإسعافات النفسية الاوليّة (Psychological First Aid) وهي تدخل مهنيّ مبكر وحاسم يركّز على الصحة النفسيّة للعاملين/ات في القطاع الصحي، خاصّة في صفوفه الاماميّة. لذلك على جميع الاخصائيين النفسيين التكاتف والتوفّر لدعم كل من يعمل في الطب والتمريض ويتفاعل مباشرة مع المصابين بالعدوى خلال هذه الفترة. تتوفر حاليًا العديد من أطر ونماذج العمل، ولكن الأبرز منها هو نموذج "RAPID" الذي طُوّر في جامعة John Hopkins والمركب من خمس خطوات: أولها وأهمّها الاستماع والتعاطف؛ ثانيها تقييم الاحتياجات الجسدية والنفسية؛ ثالثها، تحديد الأولويات وفرز الحالات حسب شدّتها، رابعها، التدخل وتخفيف الضيق ومحاولة استعادة القدرات الوظيفية باستخدام العلاج المعرفي-السلوكي؛ وخامسها، متابعة أحوالهم حتى وصولهم للاستقرار من خلال تقديم الدعم المستمر وتلبية احتياجاتهم.

أما نحن أفراد المجتمع، فعلينا الانتباه لكل من يعمل في صفوف المواجهة الأمامية، والانتباه أيضا لما سيحصل لهم في فترة ما بعد الوباء، أي خلال فترة التعافي، وتوفير أطر دعم لهم على جميع الأصعدة. والأهم من كل هذا، حاليا، علينا الاستماع لتعليماتهم وتنفيذها بحذافيرها حتى لو كنا غير مقتنعين بها، فهم أعرف وأدرى. علينا بعث رسائل تشجيع ودعم لهم، علينا دعم عوائلهم بأي طريقة ممكنة. في الكثير من الأحيان يكون أحدهم هو فرد في عائلتنا، قريب أو جار أو صديق لنا، لذلك يمكننا أن نقدم يد المساعدة في رعاية أطفالهم مثلا أو مساعدتهم في التعليم المنزلي، وفي الأعمال المنزلية أو شراء احتياجاتهم إذا لم تتوفّر لديهم أي مساعدة. تلك المساعدات الصغيرة تمنحهم بعض الوقت للراحة وتخفّف عنهم أعباء مسؤولياتهم الحياتية، التي تنضاف للمهنيّة. تلك الأعمال ستبثّ بهم الأمل بأن هذا الكابوس على وشك الانتهاء، وهذا بحد ذاته سيقويهم على الاستمرار في كفاحم. الأمل هو ما سيجعلهم يرون النّور في نهاية هذا النفق المظلم وهذا ما سيُحضر النّور لنا جميعا. كونوا وكنّ بخير